
القروض الصغرى بين الأهداف الأولى والمسار الراهن
عندما اهتدى المنظر الاقتصادي وبنكي الفقراء محمد يونس إلى فكرة القروض الصغرى، حدد لها مجموعة من الغايات والأهداف النبيلة المرتبطة بضرورة الالتفات إلى شريحة المهمشين والفقراء المحرومين من جميع الفرص التي تجعلهم يحيون حياة جديرة بالإنسان، لقد آمن أن العالم لا يمكن أن يستمر في لا مبالاته إزاء هذه الأعداد الهائلة من المقهورين ومعذبي الأرض، لذلك ففكرته حددت لها هدفا غايته خدمة هذه الشريحة من المواطنين وإعطائهم فرصة لحياة أفضل تنطلق من استثمار إمكانياتهم الذاتية من خلال إيلاء أهمية لتشجيع التضامن بين الفقراء والاعتماد على النفس ونبذ الاتكالية والإعلاء من قيمة العمل والإخلاص فيه وترسيخ الثقة، وبعبارة أخرى الاستفادة من مخزون القيم الاجتماعية الإيجابية كمادة خام تتيح تغيير شروطهم المعيشية نحو الأفضل، هكذا انصرفت الفكرة إلى إبداع أشكال من الأنشطة الاقتصادية البسيطة من حيث التنفيذ ولكنها مدرة لدخل قار ومضمون وتولد إحساسا ملموسا بالكرامة وتقدير الذات، ولم يكن ذلك كله ممكنا لولا الانطلاق من تكسير حاجز ولوج شريحة من المهمشين والفقراء إلى التعاطي مع القروض من خلال قلب معادلة العلاقة "زبون يذهب إلى البنك" إلى معادلة "بنك يذهب إلى الزبون"، علما بأن معنى الزبون أصبح يكتسي مدلولا آخر هو "المستفيد الشريك"، حيث مصلحته هي منطلق الفكرة وجوهرها، ولم يكن مستغربا أن يرتبط هذا المشروع منذ ولادته بالتفكير الجدي في النهوض بأوضاع المرأة الاقتصادية والاجتماعية لأنها الضحية الأولى لسياسة التهميش ولا يمكن بالتالي إنجاح أي مشروع لتنمية بشرية اجتماعية لا يضع في حسبانه الوضعية المزرية للمرأة ورفع الحيف المسلط عليها من خلال اعتبارها شريكا أساسيا في بلورة المشروع على أرض الواقع، وذلك بتمكينها من فرص حقيقية لولوج الدورة الاقتصادية في استقلال تام وبعيدا عن أية تبعية أسرية.
تلك إذن هي الأهداف الأصلية لفكرة القروض الصغرى. فهل احتفظت بغاياتها وأهدافها عندما تم تبنيها من طرف المؤسسات المالية الدولية.
إن الحقيقة المؤسفة هي أن هذه المؤسسات أدمجت القروض الصغرى ضمن مشاريعها الهيمنية على اقتصاديات الدول التابعة وأصبحت تنطلق منها لاختراق النسيج الاجتماعي لهذه الدول بخلق شبكة من جمعيات ما تسميه بالمجتمع المدني تتحكم في تمويلها وترسم لها توجهات وأهداف مناقضة في العمق لأية تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية كما كان يتمنى ذلك مبتكر الفكرة ومبدعها.
وهنا يصبح الحديث عن استقلالية هذه الإطارات نوعا من التضليل والعبث، لأنها تتحول إلى مجرد أدوات لتنفيذ وتكريس توجهات اقتصادية لبرالية متوحشة منتهجة من طرف الدول ضمن استراتيجية لا غاية لها إلا خدمة مصالح طبقية معينة، ووسيلة لمزيد من الاغتناء ومراكمة الثروة على حساب المقهورين والفقراء ومآسيهم.
وعندما ولجت الفكرة إلى المغرب، فإنها سرعان ما أصبحت جزءا من الاستراتيجية الاقتصادية للدولة : استراتيجية لا يمكن القول بأنها تضع البعد الاجتماعي ومحاربة الفقر والتهميش في صلب أهدافها. وبالتالي فالقروض الصغرى أصبحت تؤدي وظيفة مسكن مؤقت لأوجاع الفقراء بدل العمل على حلها حلا جذريا، ووجدت نفسها تنحرف عن غايتها الأولى وألبست لباسا ليس لها، فأين نحن من شعار "المستفيد الشريك"؟
إن هذا الواقع يفرض علينا العمل من أجل أن تسترد الفكرة دورها الحقيقي في النهوض فعلا بأوضاع الفقراء وجعلهم يتحررون من قيود الحاجة وأوضاع التهميش وولوج حياة متسمة بالعمل والإنتاج والإحساس بالتقدير والاعتبار.
إن هذا كله يمر عبر النهوض أولا وأخيرا بالأوضاع الاجتماعية للشركاء الميدانيين المنفذين للمشروع المنبني على فكرة القروض الصغرى، وذلك بالاستجابة لكافة مطالبهم وحاجياتهم المادية والمعنوية، إذ ليس من المعقول أن يتم استهداف النهوض بالأوضاع الاجتماعية لشريحة معينة من المجتمع دون الاكتراث بخلق شروط ملائمة لذلك منطلقها ومنتهاها النهوض بالأوضاع الاجتماعية للشركاء الأساسيين.